السيد محمد الصدر
258
منة المنان في الدفاع عن القرآن
تلك النتيجة المتكاملة حقيقةً ، والتي لم يُخلق مثلها في البلاد ، أي : لا مثيل لها في الخلق ، فالقمّة لم يُخلق مثلها ولا مثيل لها إطلاقاً . فإن قيل : إنَّ الفهم المتقدّم للآية قد يكون منافياً للآيات التي بعدها ، ولا يجوز أن نفهم بعض القرآن وندع البعض الآخر ، فلو فهمنا قوله : إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ فهماً باطنيّاً كما تقدّم ، فماذا نفعل بقوله تعالى بعد ذلك : وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ؟ وهذه الآيات قرينةٌ على فهم ما قبلها ، أي : إنَّ قوم عادٍ أيضاً من السيّئين ؛ لأنَّ السياق كلّه سياق قدحٍ وذمٍّ بهذه الأقوام . قلت : هذا الإشكال يمكن الجواب عليه بأكثر من وجهٍ : الوجه الأوّل : أنَّ هناك مسلكاً ينفيه علم الظاهر في الفقه والأُصول ، لكن عليه بعض العامّة ، وهو من الجهة الباطنيّة صحيحٌ في حدود حدسي وقناعتي ، وهو فهم القرآن فهماً تجزيئيّاً ، يعني : عدم جعل بعضه قرينةً على البعض الآخر ، فكلّ شيءٍ نفهمه مستقلًا مثلًا ، أو مع قرينته المتقدّمة أو المتأخّرة وهكذا . والحاصل : أنَّه يمكن فهم القرآن تجزيئيّاً ، وهذا في الباطن معقولٌ ومغتفرٌ لو صحّ التعبير . الوجه الثاني : وهو أوضح من الأوّل ، وهو أنَّ السياق في الحقيقة نسب السوء إلى فرعون مصر ، وأمّا الاثنان السابقان عليه فلم ينسبه إليهما . قال : وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ . . . إلى آخر الآية . وحسب الفهم المشهور فإنَّ هذه الأُمور تعود إلى فرعون ، فهو الذي طغى في البلاد وأكثر فيها الفساد ، ولم يقل عن عادٍ وثمود مثل ذلك ، وإنَّما وصفهم بأوصافٍ أُخرى ، ولا